News

يوم استلهم كلود ديبوسي في أعماله الموسيقية تراث شعوب أوروبية


يعتبر الفرنسيون عادة الموسيقي كلود آشيل ديبوسي أيقونة وطنية جاعلين منه واحداً من كبار الموسيقيين الذين قدمتهم بلادهم إلى العالم خلال النصف الأول من القرن العشرين إلى جانب موريس رافيل ودوكاس وبالطبع سان – سانس الذي ارتبط اسمه به ووُصفا دائماً بأنهما أكثر الموسيقيين الانطباعيين حضوراً في الساحة الموسيقية الفرنسية في استعارة من المذهب الانطباعي الذي كان إضافة فرنسية إلى الفن الحديث. ولقد تمسك الجمهور الفرنسي بما اعتبره وطنية ديبوسي إلى درجة يمكن أن تثير استغراب كثر من الذين يتعرفون في العمق إلى إبداعات هذا الفنان. وذلك لسبب لا يمكن أن يسهى عن ملاحظة المؤرخين والنقاد فحواه سؤال بسيط: هل كان ديبوسي يبادل مواطنيه حباً بحب؟ هل كان على مستوى سان – سانس بالنسبة إلى استلهاماته الموسيقية المحلية مدينية كانت أم رعوية؟ هل كان فرنسيّ الهوى حقاً؟

رسالة فرنسا الكونية

على مثل هذه الأسئلة هناك في الحقيقة جواب ممكن واحد: أبداً، لم يكن ديبوسي فرنسيّ الهوى في موسيقاه. كان بالأحرى أوروبياً إن لم يكن روسيّ الهوى أو إنجليزي النزعة قبل أن ينتهي به الأمر إلى النهل في بعض أجمل ألحانه من موسيقى إسبانية غالباً ما بدت أندلسية وساهمت في تعزيز استلهاماته الشرقية التي، في عود على بدء، أوصلته إلى أبعاد استشراقية عثر على معظمها لدى الموسيقيين الروس الذين استلهموا الموسيقى التركية وربما القوقازية وهم يحسبونها عربية! والحقيقة أن ديبوسي إنما كان في ذلك كله ينحو في اتحاه أوروبي/ كوزموبوليتي أبعده كثيراً عن جذوره الفرنسية. لكن الفرنسيين، ومعظمهم كان من عادته أن يشاركه ذلك النزوع الكوزموبوليتي، لم يجدوا غضاضة في ذلك بل اعتبروه جزءاً من رسالة فرنسا الكونية، مكتفين في أسوأ الأحوال بمحاولات هذا الفنان الابتعاد قدر المستطاع عن الموسيقى الألمانية التي لم يستسيغوها على رغم كل محاولات الشاعر بودلير كناقد موسيقي تقريبهم من فاغنر منذ اكتشفه ذات يوم عبر تقديم “تانهاوزر” في باريس حيث هاله أن يجد الجمهور الفرنسي غير عابئ به!

على الهوى الأوروبي

المهم في الأمر هنا أن ديبوسي عرف من ناحيته كيف يعبر في مجموعة من قطع له لحنها بين عامين متقدمين من حياته (بين 1905 و1912)، عن هواه الأوروبي المنفتح بشكل لم يثر إعجاب جمهوره الفرنسي وحسب، بل فخره أيضاً، حتى وإن كان من العسير حسبان تلك المجموعة من بين أقوى وأشهر ما لحن. ففي أحسن الأحوال بدت مقطوعات المجموعة بالغة الجمال شديدة الخصوصية في تنوعها وذات ألوان تذكّر حقاً بالملوَّنة الانطباعية في فن الرسم وتكاد تبرر وصف موسيقاه بالانطباعية، ولكن في دنو من انطباعية إدوار مانيه المستقاة من الملونة الإسبانية (غويا مثلاً) أو رعوية غينسبورو الملتحمة بالريف الإنجليزي وصولاً إلى صفحات شرقية الهوى أتى بها الموسيقي من عوالم روسية واضحة. ولنتوقف هنا عند قسم من المجموعة سيكون الأشهر بين إجازات ديبوسي في هذا المجال وهو قسم يتألف من ثلاثة ألحان تقدم عادة معاً كنموذج على كوزموبوليتية ديبوسي الأوروبية وذلك تحت عنوان “صور لأوركسترا” لتبدو وكأنها مدونات جولة أوروبية في مجموعها. ولكن لتبدو كذلك وكأنها تستخدم أوركسترا بالغة الضخامة لتقدم بواسطتها، كملونة غنية، ألحاناً شديدة الميلودية قد لا تكون أصلاً في حاجة إلى تلك الوفرة تتضافر مع شح في الإيقاع.

رقصات إنجليزية

لقد تعمد ديبوسي إذا، أن يثري التوزيع الأوركسترالي للمقطوعات الثلاث، بشكل لم يكن معهوداً في الموسيقى الفرنسية، بحيث أن تقديمها على الشكل الذي صاغه المؤلف يحتاج إلى ما لا يقل عن سبعين آلة موسيقية قد يستغرب المرء متى يتاح لكل آلة منها أن تقوم بوظيفتها الكاملة، ومنفردة أحياناً، خلال الساعة ونيّف التي قد يستغرقها عزف المقطوعات جميعاً! ولنترك هنا هذه التساؤلات المستغربة لندخل بعض الشيء في تفاصيل هذه المقطوعات. ونبدأ بالأولى من بينها وهي تلك التي كتبها ديبوسي خلال جولة له في بعض أنحاء إنجلترا محملاً إياها عنوان “الجيغي” على اسم رقصات إنجليزية كانت بالغة الشهرة بطابعها الحيوي الذي يكاد يشبه الرقص السلافي حتى في إيقاعاته، حتى ولو كان المؤلف قد اختار للمقطوعة عنواناً سيبدو نقيضاً لتلك الحيوية سرعان ما سيستغنى عنه، “الجيغي الحزينة”. ومن المعروف أن ديبوسي جعل المقطوعة تبدو وكأنها تعبير عن ذكريات موسيقية بقيت لديه من جولته تلك ضاماً إليها أغاني كانت معروفة حينها وعدداً من الإيقاعات الفولكلورية مع لوازم تصاحب المقطوعة تشكل ما يشبه الإيقاع.

في إسبانيا وبين ألوانها

ولئن كان عدد من نقاد الموسيقى قد عزوا عند التقديم الأول لهذا العمل، توزيعه الأوركسترالي إلى أندريه كابليت، فإن آخرين نفوا ذلك حتى وإن قالوا إن دور كابليت اقتصر على ربطه بين اللازمات الإيقاعية ربطاً أتى من خارج عوالم ديبوسي المعهودة لا غير. ولعل هذا يقودنا إلى المقطوعة الثانية التي تعتبر الأجمل والأكثر حيوية بين المقطوعات الثلاث وهي “إيبيربا” التي استلهم فيها ديبوسي جولة كانت قد قادته بين 1905 و1908 إلى بعض أنحاء إسبانيا. وهذه المقطوعة التي يستغرق عزفها عادة نحو عشرين دقيقة، وتحسب كثلاثية داخل الثلاثية حيث جعل المؤلف لها ثلاث “حركات” لكل حركة منها عنوان شاعري، بل حتى أدبي خاص بها: “على مسرى الدروب والطرق”، “عطور الليل” و”صباح يوم عيد”، علماً بأن هذه الحركة الثالثة تتفرد بكونها أقرب إلى أن تكون “زيّاحاً” يقدّم مجموعات من عازفي آلات الغيتار في عزف متواصل طوال دقائق يبدو وكأنها من نوع “الحركة المتواصلة” حيث تتعاقب الغيتارات على تكرار لازمات محددة طوال مسيرة مفعمة بالإيقاع الحيوي. ولا شك أن ديبوسي ظلّ منذ أنجز “إيبيريا” يعبر عن حبه لها وتفضيله إياها على أي من قطعه الأوركسترالية الأخرى إلى درجة أنه كتب في رسالة إلى زميله وصديقه أندريه كابليه يقول “لا يمكنك أن تتخيل كم أن الانتقال من الحركة الثانية إلى تاليتها قد تم لدي بصورة طبيعية بل بديهية، بحيث يبدو أن الحيز الذي عبّر عن تلك النقلة يبدو لي أنه خلق نفسه بنفسه ولم يكتبه أحد!”

استخدام الفولكلور

وينقلنا هذا بالطبع إلى المقطوعة الثالثة والمعنونة “دورات رقص ربيعي” التي ينظر إليها النقاد عادة بكونها أكثر أعمال ديبوسي حداثة أي انتماء إلى الربع الأول من القرن العشرين هي التي كتبها المؤلف خلال الأعوام الفاصلة بين 1905 و1909 حتى وإن كان قد استخدم فيها أغنيتين فولكلوريتين معروفتين في فرنسا ولكن من خلال توزيع أتى مغرقاً في روسيته، من دون أن يفوتنا هنا أن ديبوسي كان قد استخدم أغنية “لن نذهب بعد الآن إلى الغابة” بشكلها وتوزيعها الفرنسيين معزوفة على البيانو فقط في عملين سابقين له هما “صفحات منسية” (1894)، و”استامبات” (1903) بينما استخدم بعض جمل الأغنية الأخرى “دو، دو أيها الطفل، دو” في بعض أجواء عدد من أعماله السابقة الأخرى. وربما أيضاً في قطعته الأشهر “ثلاثية البحر” التي أنجزها في العام نفسه الذي بدأ فيه كتابة ثلاثية الأوركسترا.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من البيانو المزدوج إلى الأوركسترا

وبقي أن نشير هنا إلى أن كلود آشيل ديبوسي (1862 – 1918) كان حين شرع في تلحين هذه “الصور” ينوي أن يجعل منها أعمالاً تقدم بواسطة آلتي بيانو كملحق تال لعمل سابق له هو “صور لبيانو منفرد” وهو ما يشير إليه في رسالة بعث بها إلى ناشره وصديقه دوران يتحدث فيها عن هذا العمل الجديد، لكنه بعد عام سوف يكتب له رسالة ثانية يعلمه فيها أنه يفكر الآن بأن يحول الثلاثية إلى عمل مختلف عبر توزيع أوركسترالي ضخم وغني “لأن غنى الألحان التي تتراكم في خاطري الآن يبدو ملائماً لمثل هذا التغيير بل مستحقاً له”.




Source link

Leave a Reply

Your email address will not be published.