News

هل نجح “بطلوع الروح” في نقل “أهوال الدواعش”؟


كانت “روح”، التي لعبت دورها الفنانة المصرية منة شلبي، تنظر بدهشة وصدمة للصحافي اللبناني “نور”، الذي جسّد شخصيته الممثل والمذيع اللبناني عادل كرم، في مسلسل “بطلوع الروح“، حينما أخبرها بأنها لن تتمكن من العودة إلى مصر بسهولة، وأن مصيرها سوف ينتهي على الأغلب في مخيم يخص العائدين من جحيم “داعش“، حيث ستجد هناك ما هربت منه، لتعيش في بقعة تضم موالين للتنظيم أكثر من المنقلبين عليه.

فكل كفاح البطلة لتخرج سالمة مع ابنها من الجحيم، الذي اضطرت إليه، سيضيع ببساطة، فلا توجد أوطان ترحب بمن كان يعيش تحت راية التنظيم حتى لو كان من أشد الكارهين له، بالتالي عمليات الإعادة تسير بوتيرة بطيئة للغاية، وتخضع لتدقيق مطول. والحقيقة أنه منطقي وطبيعي للغاية، ومن هنا تكون إجراءات انتشال الهاربين والهاربات معقدة وصعبة.

إنقاذ البطلة

النوايا الحسنة هنا ليس لها محل من الإعراب، وإثبات المعاداة للتنظيم المتطرف الإرهابي رحلة طويلة لا أحد يعرف مداها. لا بديل إلا المخيمات، التي تشبه عادة “دويلات داعشية” صغيرة، يتعلم الصغار فيها التطرف والثأر والانتقام.

قسوة قصة المسلسل، الذي جذب المشاهدين بـ15 حلقة رمضانية، لم تكن قد بدأت بعد، بالكاد أشار إليها العمل من بعيد، ثم ترك المشاهدين يتخيلون أهوالاً تحدث على الأغلب خارج نطاق التغطية في مخيمات مثل “الهول والروج وعين عيسى”.

بطلة مسلسل “بطلوع الروح”، الذي أخرجته كاملة أبو ذكري، وكتب قصته محمد هشام عبية، حيث استوحاه من قصص حقيقية، نجحت في أن تنجو مع طفلها من مصير مظلم جديد، بعد أن أقنع الصحافي اللبناني نور “عادل كرم” القوات الكردية بأنها مجرد صحافية أضاعت جواز سفرها، بالتالي من حقها أن تذهب إلى لبنان معه بشكل طبيعي من دون أن توصم بأنها زوجة مقاتل داعشي، وذلك مراعاة لظروفها.

“روح” ذهبت إلى مدينة الرقة السورية، المعقل السابق لتنظيم “داعش” قسراً، بعد أن أجبرها زوجها “أكرم”، الذي لعب دوره الفنان المصري محمد حاتم، على السفر واختطافه صغيرهما لتوافق جبراً، خوفاً على حياة طفلها المصاب بمرض “الهيموفيليا”، وإذا  لم تحدث هذه الحيلة الدرامية، فكان متوقعاً أن تصبح ضمن آلاف النساء اللاتي يسكنّ على أرض الواقع بمخيمات النازحين في سوريا، التي تضم بدورها أعداداً هائلة من عائلات تنظيم “داعش”، بينها مثلاً “عين عيسى”، الواقع في ريف الرقة، على الحدود التركية، والذي يعاني ساكنوه تردي الوضع الأمني، ويضم أكثر من 13 ألف نازح.

تفريخ الإرهاب

المسلسل أعاد للأذهان الأهوال التي تجري في تلك المخيمات، فالجانب الأكبر من ساكنيها هم من فلول “داعش”، وبينها مخيم الهول، الذي يقع بمحافظة الحسكة، شمال سوريا، ويقدر عدد ساكنيه بين 50 و70 ألفاً، فبعد بدء انحسار التنظيم على يد قوات “سوريا الديمقراطية”، التي خاضت بدورها معارك قوية ضد مسلحيه انطلاقاً من نهاية عام 2017 حتى 2019، استقبل المخيم أصنافاً من الفارين، بينهم أهالي مدينة دير الزور، الذين حاولوا الابتعاد عن معركة “الباغوز فوقاني”، التي دارت بين الطرفين المتحاربين، حيث إن هناك عائلات كانت تعيش في موطنها سالمة وجاء التنظيم وأجبرهم على الفرار ووجدوا أنفسهم في مخيم واحد بين أفراده وبعض أفراد التنظيم ومعتنقي أفكاره.

“إما أن تكون داعيشاً وإما أن تقتل”، هذا شرط شائع في بعض المناطق بتلك المخيمات، بحسب تقرير استعرضت فيه “واشنطن بوست”، قبل ثلاث سنوات، التجاوزات التي تحدث في الهول، حيث إن معتنقي أيديولوجية “داعش” يهددون غير المتفقين معهم، بالتالي تنشأ حوادث عنف متكررة، ودائرة الضحايا لا تتوقف.

وبحسب تقرير للأمم المتحدة، فقد شهدت الفترة من يناير (كانون الثاني) 2021 وحتى يناير 2022 أكثر من 90 حادثة قتل في المخيم، بمن فيهم عمال إغاثة، إضافة إلى الإصابات الخطيرة.

وبمتابعة لما يجري سيتبين أن المخيم، الذي يقع على الحدود بين سوريا والعراق، يفرخ أجيالاً جديدة من المتطرفين، وهو الأمر الذي حذر منه مايكل مولروي، المساعد السابق لوزير الدفاع الأميركي، الذي شدد على ضرورة زيادة عدد القوات، لأن “الهجمات الداعشية حتى الآن تتواصل في مناطق متفرقة على الحدود السورية – العراقية”، فيما حذر قائد المهمة الأميركية لمكافحة التنظيم في سوريا والعراق، الجنرال بول كالفيرت، من تهريب الأسلحة إلى المخيم، وأيضاً من فكرة تلقين الأطفال وتدريبهم على “عقيدة الإرهاب الداعشي” في المخيم.

“الهول”… أهوال لا تتوقف

الأمم المتحدة أكدت مراراً أن العنف يزداد بشكل غير مقبول بين سكان مخيم الهول، ووصفت الأجواء فيه بأنها “مروعة”، وبحسب ما جاء نصاً عبر الموقع الرسمي للمنظمة: “ناشدت الأمم المتحدة مراراً وتكراراً رؤساء 57 دولة حول العالم لإعادة مواطنيها الذين لا يزالون يعيشون في ظروف لا تطاق في مخيم الهول للنازحين بسوريا. وبحسب الخبراء، لا يزال نحو 65,000 شخص في هذا المخيم وغيره من المخيمات السورية، كثير منهم نساء وأطفال”، حيث يعيش سكان المخيم في ظروف معيشية صعبة، وتنتشر بين حين وآخر بين أفراده أوبئة وأمراض، إضافة إلى نقص الدواء والغذاء وإجراءات النظافة.

بدورها، تحاول الأمم المتحدة تحسين الظروف، لكنها تجد أن هذا الأمر مرهون بشروط أخرى، وبحسب بيان رسمي لها قالت المنظمة: “تظل الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية الأخرى ملتزمة في حشد وتسليم الدعم الاعتيادي والمنقذ للحياة للمخيم، ولكن يمكنها فعل ذلك على نحو فعال فقط إذا اتخذت خطوات لمعالجة قضايا السلامة المستمرة”.

مخيم الهول كان موطناً للاجئين على مدار ثلاث حروب، بينها حرب الخليج عام 1991، حيث نزح إليه اللاجئون العراقيون، وبعدها أعيد فتحه عام 2003 بعد الهجوم الأميركي على العراق، وأخيراً بعد انهيار “داعش”، حيث يضم عشرات الآلاف من جنسيات متعددة، أكثريتهم من السوريين والعراقيين، ممن لم يتمكنوا من الهروب من القوات الكردية، حيث قبض عليهم وسكنوا المخيم، فثقافة العنف لها “الكلمة العليا” في أغلب الأوقات، حيث تعرضت بعض النساء للقتل لمجرد أنهن خلعن النقاب، وذلك بحسب تقرير لـ”أسوشييتد برس” في فبراير (شباط) الماضي.

مخيم الروج… القصة الأصلية

الأمر لا يختلف كثيراً في مخيم الروج، الذي يحتوي على 2500 امرأة من فلول نساء “داعش” مع أطفالهن، ويقع شمال شرقي سوريا، ووفقاً لنفس التقرير، فإن عدداً من مقاتلات التنظيم الأجنبيات تركن الأفكار المتشددة وبدأن يعشن حياتهن الطبيعية، لكنهن يتعرضن دوماً للهجوم العنيف من المتشددات اللاتي يرفضن تصرفاتهن المتعلقة بالملابس العصرية بدلاً من “زي داعش الأسود” ووضع مساحيق الزينة، فقد حاولت المتعصبات قتل بعضهن بالفعل ورمينهن بالحجارة.

وعلى الرغم من أنه تم الفضل بين مناطق السكن، لا تزال الحوادث تتكرر في ظل تأزم وضع ساكنات المخيم، وتأجيل قرارات العودة إلى أوطانهن، فكثير منهن متحدرات من ألمانيا وبريطانيا وصربيا والسويد وبلجيكا والولايات المتحدة الأميركية.

على ذكر مخيم الروج يفجر الكاتب محمد هشام عبية، مؤلف “بطلوع الروح”، مفاجأة، وهي أن العمل من الأساس كانت ستدور أحداثه الرئيسة في مخيم “الروج”، لكن تم التراجع عن الأمر، نظراً لضيق الوقت وضغط التصوير وتم الاكتفاء فقط بالإشارة له خلال الحوار في نهاية الأحداث.

عبية أشار إلى أن فكرة المشروع الأصلية كانت تناول حياة مخيمات “نساء داعش” وما قبلها بقليل، واستعراض معيشة أرامل مقاتلي التنظيم مع أطفالهن هناك، وأيضاً التطرق لما يجري مع السيدات اللاتي أجبرن على الذهاب إلى التنظيم، مثل “روح”، لافتاً إلى أن المتطرفات مثل “أم جهاد”، التي أدت دورها الفنانة المصرية إلهام شاهين، يحاولن فرض سيطرتهن في هذه المخيمات، التي تصبح شيئاً فشيئاً أقرب للسحن، فيجدن ضالتهن في تنظيم ما يشبه السلطة النسائية الداخلية، بعيداً من أعين القوات الكردية، بالتالي تحدث انفلاتات.

محمد هشام عبية، الذي كان قد قدم من قبل مسلسلاً آخر تناول قضايا نسائية عدة، وبنيها التحرش هو “60 دقيقة”، من إخراج مريم أحمدي، وبطولة ياسمين رئيس، يكشف تفاصيل أكثر عن بداية مشروع المسلسل، الذي على الرغم من تحقيقه مشاهدة واسعة وإشادات متوالية كان مقرراً له أن يسير في طريق آخر: “كان من المفترض أن تحتل حياة المخيمات جانباً كبيراً من القصة، فكان التخطيط أن يتم القبض على روح، وتلتقي في المخيم بطبيب تحول إلى صحافي، وتتطور الأحداث وصولاً لهروبها من المخيم، الذي يتضمن أهوالاً شديدة باعتباره بؤرة خطرة للغاية لصناعة الإرهاب عن طريق تغذية روح الانتقام لدى أطفال (الأمهات الداعشيات) ضد كل من لا يشبههم في أيديولوجياتهم، مع استعراض معاناة للنساء المظلومات التي يجدن صعوبة في العودة بشكل طبيعي إلى بلدانهن”.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Associated Nodes discipline)

صناعة التطرف

وبالعودة إلى الشهادات، التي رصدت بعض ما يحدث في تلك المخيمات، فقد نشر معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى منتصف العام الماضي تقريراً أشار إلى أن الأطفال الذين تشربوا عقائد ذويهم المتطرفة يتعاملون مع وسائل الإعلام بعنف ويضربون أفرادها بالحجارة ويسمونهم “الكفار”، فيما تحاول النساء أيضاً جمع الأموال اللازمة لتنفيذ عمليات العنف عن طريق صفحات الإنترنت باستحدام لغة تؤثر في بعض مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي بحجة “نصرة الدين”.

كما هو واضح فقوة نساء “الهول” لا يستهان بها، بل هن يد “داعش”، التي يمكن أن تصل إلى عقول أطفال المخيم، وهم 30 ألفاً تقريباً، وقلوب الملايين على مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصاً المتعاطفين الذين يبعثون بالأموال بطرق غير رسمية، ولكن الأمر لا يقف عند غرس عقيدة العنف والإرهاب لدى آلاف الصغار بمحيط المنطقة، ولا عند الدعاية لأفكار التنظيم عبر الحدود، ولكنهن بحسب ما يشير الموقع الرسمي للمعهد، يجبرن أبناءهن الذكور ما دون الثامنة عشرة على الزواج من أرامل المقاتلين ليتمكن من إنجاب مزيد من الأطفال لزيادة القوة العددية، لتتسع دائرة الرعب والإرهاب.

وبحسب نفس التقرير أيضاً، ففي مارس (آذار) 2021 شنّت القوات الكردية عملية مداهمة بمخيم الهول صادرت من خلالها أسلحة وذخائر وأجهزة اتصال، واعتقلت ما يزيد على 100 من المتورطين وبينهم قادة، بالتالي فالتخوفات من تنفيذ ساكني تلك المخيمات لعمليات إرهابية بعد العودة إلى بلدانهم هي تخوفات مشروعة وبديهية.

تجربة من الواقع

وهو أمر يتوافق مع وصف الأمم المتحدة، التي قالت عبر موقعها الرسمي، إن عمليات إعادة من عاشوا تحت “راية داعش” إلى أوطانهم معقدة للغاية، وهو أمر فهمته بطلة مسلسل “بطلوع روح”، وكانت محظوظة بأن وجدت من ينقذها، ففي البداية حاول والدها بشتى الطرق أن يأتي بها عن طريق بعض المتعاونين ممن يحملون الجنسية التركية، لكن الأمر لم يفلح، وتطورت الدراما حتى وصلت إلى ذروتها مع انهيار التنظيم المتطرف.

نموذج “روح” من المؤكد أنه تكرر على أرض الواقع، من خلال فتيات أكرهن على العيش في كنف تنظيم متطرف، ولكن بالطبع هناك كثيرات اعتنقن بمحض إرادتهن أفكار التنظيم، مثل نموذج “أم جهاد”، بالتالي يبدو التعامل مع الهاربات من تنظيم “داعش” وفروعه المختلفة في مناطق عدة بالعالم أمر في غاية الصعوبة، وهو ما تشدد عليه المحامية المصرية هالة دومة، التي تتولى قضايا بعض العائدات من التنظيم ممن أجبرن بشكل أو بآخر على الوجود بين أفراده

وبحسب ما كتبت في حسابها بموقع “فيسبوك”، فقد واجهت المحامية صعوبة بالغة خلال عملها في هذا الملف، بل إن زملاءها المحامين أنفسهم كانوا ينتقدونها ويطلقون عليها لقب “محامية الدواعش”. شرحت هالة دومة في شهادتها كيف تطورت الأمور على مدار سنتين، حينما بدأت تحضر مع زميل لها بصفتهما القانونية جلسات استجواب الفتيات في النيابة، وقالت إنه ومع تزايد عدد البنات، الذي وصل في وقت ما لنحو 100 بنت، قررنا عدم الاكتفاء بمحاولة توفير ظروف آدمية لهن في السجن، بل محاولة توضيح إنهن ضحايا.

وأضافت، “طبعاً أخذنا وقتاً كبيراً يقارب السنة من أجل أن نشرح للمحكمة ظروفهن، والمحكمة فعلاً مع الوقت اقتنعت، وأصبحنا نحصل على إخلاء سبيل بأعداد كبيرة، ما شجع بعض الزملاء المحامين الذين ينتقدون الدفاع عن (نساء التنظيم) على عرض المساعدة”.




Source link

Leave a Reply

Your email address will not be published.

close