News

معرض فرنسي يكشف التأثير المتبادل بين بيكاسو والفن العربي


نعرف أن بيكاسو أنجز عام 1961 بورتريه للمناضلة الجزائرية جميلة بوباشا التي خضعت للتعذيب والاغتصاب أثناء اعتقالها في السجون الفرنسية خلال حرب الاستقلال. لكن ما يجهله معظمنا هو أن علاقته بشرقنا لا تقتصر على هذه اللوحة. حقيقة تتجلى بقوة في معرض “بيكاسو والطلائع العربية” الذي يستضيفه حالياً “معهد العالم العربي” في مدينة توركوين الفرنسية، قبل أن ينتقل إلى صرح هذا المعهد في باريس عام 2024. معرض مهم لكشفه، من خلال عشرات اللوحات والرسوم والخزفيات، الطرق المختلفة التي حاور رواد الحداثة الفنية العربية بها أعمال هذا العملاق، وأيضاً مدى تأثُّر هذا الأخير بفنون شرقنا القديمة.

صحيح أن بيكاسو لم يزر العالم العربي قط، لكن أعماله شكّلت حافزاً للفنانين العرب الذين سعوا، بين الأربعينيات والثمانينيات، إلى استثمار مكتسبات الحداثة الفنية الغربية داخل فنهم، وواجهوا الأحداث والمآسي في بلدانهم برسم ملتزم يظلله المثال الأخلاقي لصاحب “غرنيكا” (1937). وفعلاً، مثّل بيكاسو بالنسبة إلى الطلائع الفنية العربية الوعد بفن شامل يخلو من تراتبية جغرافية (شرق/غرب)، زمنية أو أسلوبية. وأبعد من الحوار الشكلي، يرتكز المعرض الحالي في أقسامه الأربعة على الاهتمام المشترك بالفنون البدائية والنزعة السلمية ومناهضة الاستعمار، لمساءلة تلك الجاذبية التي مارسها هذا الفنان على رواد الحداثة العربية، مثل جواد سليم، عارف الريّس، أدهم إسماعيل، محمد خدّة، سمير رافي وكثيرين غيرهم.

مصادر التاريخ

في القسم الذي يحمل عنوان “بدائية ـ الفن ساعياً خلف مصادره”، يتبيّن لنا أن هؤلاء الرواد، بخلاف الطلائع الأوروبية التي نظرت إلى الآخر البعيد لتجديد فنّها، تبنّوا فكرة أن على الفن، كي يكون أصيلاً، الغرف من مصادر تاريخ أوطانهم السحيق. ومن هذا المنطلق، كانت محاكاة العراقيين جواد سليم وضياء العزاوي آثار الحقبتين السومرية والبابلية، التي أنجبت لدى سليم مفردات تشكيلية مشحونة رمزياً (حصان، ثور، هلال…) ودفعته إلى اعتماد اللونين الأمغر والبرتقالي، بينما أنجبت لدى العزاوي تلك الوجوه على شكل أقنعة تتوارى فيها العيون.

وأبعد من الترسّخ داخل الإطار الثقافي لبلدانهم، سعى روادنا في فنهم إلى البقاء قريبين من شعوبهم. من هنا تواتُر الموضوعات الشعبية في أعمالهم وتمجيدهم فيها حياة القرويين أو البدو، النقية من أي تأثير خارجي. من هنا أيضاً تلك الأشكال الهندسية والألوان المستقاة من القطع الخزفية والسجاد والأقمشة التقليدية، كما في بعض لوحات العراقي شاكر حسن، وأيضاً الأشياء اليومية والمواد الفقيرة والأوشام التي تظهر بقوة في أعمال مجموعة “أوشام” الجزائرية بين عامي 1967 و1972.

وسواء بتدرّجات اللون البني فيها، أو بالطوق الغامق الذي يحدّ الأجساد التي تقطنها، أو بالجمود المهيب لشخصياتها، يقارن المعرض في هذا القسم لوحات، مثل “المرأة، القمر والغصن” (1954) لحسن، و”المرأة والذئب” (1971) للمصري سمير رافي، ببعض الوجوه التي رسمها بيكاسو خلال عامي 1908 و1909. يتوقف أيضاً عند استثمار هذا الأخير التقاليد المتوسّطية القديمة أو الشعبية لليونان ومصر وإتروريا وبلاد ما بين النهرين وتركيا وطبعاً الفضاء العربي الأندلسي، خلال تعاونه مع محترف “مادورا” للخزفيات في الأربعينيات، مثبتاً عن حرية كبيرة في الأشكال المرسومة أو المنحوتة، أو في استخدامه القطع الخزفية النافلة كمواد.

أثر التكعيبية في الفن العربي الحديث

وفي القسم الذي يحمل عنوان “تكعيبية وتجريد”، نعرف أن بعض الفنانين العرب الحداثيين تبنّوا بسهولة التكعيبية لرؤيتهم في التشويه والتجزئة ومضاعفة وجهات النظر على الشيء المرسوم، والتي استطاع بيكاسو من خلالها توسيع الإمكانيات التعبيرية للتصوير،  عقد صلات قرابة مع فنون الإسلام التي يخضع التصوير فيها إلى تفكيك أو تحليل. ومثل بيكاسو الذي أدخل الميثات على رسمه بعد التجربة التكعيبية، وأدرك الطبيعية السحرية للفن إثر لقائه بالفن الإفريقي، اهتم بعضهم بالأساطير المحلية وواجه الطبيعة المزدوجة لفنّ غير وصفي قادر مع ذلك على أن يكون تعبيراً أصيلاً لمجتمعه، كالفنان المصري عبد الهادي الجزار في اللوحات التي أنجزها في حي “السيدة زينب” الفقير في القاهرة، واعتمد فيها أسلوب المشهد البدائي الذي يتراوح بين خيال ووجودية، ويحضر البشر فيه عراة.

ومثل تكعيبية بيكاسو التي أفضت عام 1911 إلى تحلّل الشيء المرسوم وإعادة تشييده بواسطة تقنية الملصق، وإلى ظهور الحروف والألوان مجدداً في لوحاته، نرى في هذا القسم كيف أختار بعض رواد الحداثة العربية الرسم بخطّ واحد ومتشابك لخلق واقع معين، انطلاقاً من مساحات ملوّنة يتحلّل فيها الشكل والمضمون، كاللبناني صليبا الدويهي الذي اعتمد التجريد الملون والمسطّح، بعد مرحلة طويلة من التقشّف في الأشكال والألوان، أو السوري أدهم إسماعيل الذي أنجز منذ عام 1950 لوحات تذوب فيها شخصياته داخل محيطها ضمن فيض من التصاميم الملونة، أو التونسي حاتم مكي والعراقي فائق حسن اللذين اعتمدا التمثيل البشري الهندسي بواسطة خطوط متقاطعة وزاوية. أما العراقي جواد سليم فاختبر أقصى درجات التحلل للأشياء الممثلة، مستعيناً بأشكال عضوية تطفو في فضاء اللوحة.

وفي القسم الذي يحمل عنوان “الفن الملتزم ــ حول غرنيكا”، يتضح لنا أن الفن الملتزم في العالم العربي اتخذ ثلاثة وجوه انطلاقاً من الثلاثينيات: الاشتراكية، مناهضة الاستعمار والقومية العربية. يتبيّن أيضاً أن السورياليين المصريين زيّنوا بيانهم الشهير “يحيا الفن المنحطّ” بلوحة بيكاسو “غرنيكا” منذ عام 1938، وأن مواطنهم سمير رافي رسم مشاهد عديدة تمثّل الثورة ضد الحرب والطغيان.

الروح العربية

وفي سوريا، حاور الرسام محمود حماد مرحلة بيكاسو التكعيبية الـ “سيزانية” في لوحة “قايين وهابيل” عام 1958 الذي شهد اتحاد مصر وسوريا داخل “جمهورية عربية متحدة”. وروّج مواطنه أدهم إسماعيل لوحدة عربية سواء بفنه أو بنشاطه السياسي، وقارب مراراً في لوحاته موضوع العدالة الاجتماعية. أما بيان “حركة الفنون التشكيلية” الذي وقّعه فاتح المدرّس عام 1962، فنصّ على أن الفن لا يمكن إلا يكون ملتزماً، مؤكداً مسؤولية الفنان الاجتماعية، وواجب الفنان العربي في تجسيد الروح العربية بطريقة تثري البشرية بفرادتها. ونشاهد في هذا القسم رسماً يمثّل “مينوتور” أنجزه المدرّس وأهداه إلى سارتر، كبير المعادين للإمبريالية. نشاهد أيضاً لوحات عديدة لمواطنه خزيمة علواني فضح فيها المجازر التي ارتكبها النظام البعثي ضد المدنيين عام 1982، عبر تملّكه أشكالاً وشخصيات مستقاة من “غرنيكا”، كالمينوتور والحصان ذي اللسان المسنن.

وفي لبنان، تسلط موضوع الحرب الأهلية على عمل رسامين كثر، مثل نبيل قانصوه الذي تبنّى في أعماله موقف “غرنيكا” الأخلاقي، وعارف الريّس الذي تمكن من مقارنة الحيوانات التي تقطن لوحاته المرصودة لهذا الموضوع بتلك الحاضرة في لوحتي “غرنيكا” و”حرب وسلم”، وبول غيراغوسيان الذي أقرّ مراراً بتأثّره ببيكاسو وقارب موضوع المجازر ضد المدنيين في لوحات عديدة، من بينها لوحتان تصوّر كل منهما قاتلاً على شكل آلة أمام شخصية نسائية ترمز إلى البراءة.

الحساسية الإجتماعية

ويحتل الفن العراقي الملتزم مساحة كبيرة داخل هذا القسم، إذ نشاهد فيه لوحتين لجواد سليم: “بائع البطيخ” (1953) التي تعكس الحساسية الاجتماعية لصاحبها الذي رصد أعمالاً كثيرة لرسم الناس البسطاء، و”الخير والشر – تجريد” (1951) التي تُعرض للمرة الأولى. نشاهد أيضاً لوحة لمحمود صبري رسمها عام 1958 وندد فيها بحرب فرنسا على الجزائر، وسلسلتي رسوم طباعية لضياء العزاوي قارب فيهما المجازر التي ارتكبت في لبنان بحق المدنيين الفلسطينيين مطلع الحرب الأهلية.

ولا يهمل المعرض في هذا القسم عمل الطلائع الجزائرية التي حافظت على رابط عاطفي قوي مع بيكاسو، كما هو الحال مع محمد إيسياخيم الذي اتخذ التزامه داخل لوحاته نضال أبناء وطنه ضد الاستعمار شكل مقاتلين أو جوه نسائية معذّبة، ومحمد خدّة الذي يحضر بلوحة “راية لتشيلي” التي تعكس تضامناً مع الشعوب التواقة إلى الحرية يتجاوز حدود وطنه، ومعارضة الدكتاتورية مهما كان مصدرها.

أما القسم الأخير من المعرض، فيسلط الضوء على آثار شرقنا والفنون الإسلامية داخل فن بيكاسو. وفي هذا السياق، يذكّرنا بقول الشاعر غييوم أبولينر عام 1905 إن بيكاسو “عربي إيقاعياً”، ثم بقول جرترود شتاين عام 1938 إن هذا العملاق “يندمج تماماً مع الشرق، من دون تقليده”، وبإصرارها على “الألفة الكبيرة بين عمله وفن التخطيط العربي”، وبانتقاد لو كوربوزييه التكعيبية في بيانه “بعد التكعيبية” من منطلق كونها فن عربسة، بالتالي شرقية للغاية وغير حديثة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ندرك أيضاً في هذا القسم أن بيكاسو نظر باكراً من جهة الرسامَين آنغر ودولاكروا، كما يتجلى ذلك في لوحات مثل “حريم” (1907)، و”آنسات أفينيون” (1907) و”جاكلين بزيّ تركي” (1955)، وخصوصاً في السلسلة التي كرّسها للوحة دولاكروا “نساء مدينة الجزائر”، مباشرةً بعد اندلاع حرب الجزائر، وتتضمن 15 لوحة ونحو 70 رسماً. أما ارتباط صورته بالثقافة العربية الأندلسية داخل أذهان الفنانين الحداثيين العرب، فحصل عن طريق مدير “المعهد الفرنسي لعلم الآثار والفنون الإسلامية” في دمشق خلال الثلاثينيات، أوستاش دو لوري، الذي كتب عام 1932 نصاً بعنوان “بيكاسو والفن الإسلامي” لاحظ فيه تطابقاً مدهشاً بين عالم بيكاسو التكعيبي وشرقنا.

وإلى هذه الخلاصة وصل أيضاً الرسام والباحث الفلسطيني كمال بلاطة في المقال الذي نشره مطلع 1973 في مجلة “العالم الإسلامي” بعنوان “الفن العربي الكلاسيكي ولوحات أوروبية حديثة”، ويحضر بدوره في هذا القسم. قارن بلاطة في المقال رأس الثور في “غرنيكا” بأحد الرسوم التي رصدها القزويني للأبراج العربية في القرن السابع عشر، وبورتريه لدورا مار على شكل عصفور بواحد من الرسوم التي زيّن بها رسام المنمنمات العراقي يحيى الواسطي مخطوط “مقامات” الحريري. وأبعد من هذه المقارنة، دافع بلاطة عن فكرة أن فنون الإسلام ولوحات بيكاسو تتناغم في طابعها الميتافيزيقي، ومثل أبولينر وجرترود شتاين قبله، ألحّ على البعد التخطيطي العربي لعبقرية هذا الفنان.




Source link

Leave a Reply

Your email address will not be published.