News

كورسيكا… تطارد حلم الاستقلال العصيّ منذ قرون


يبدو أن قدر كورسيكا، هذه الجزيرة الواقعة في البحر الأبيض المتوسط، غرب إيطاليا وجنوب شرقي فرنسا، أن تظل إلى اليوم تلهث وراء حلم استقلالها؛ حيث يحفظ تاريخها جيداً، كيف أنها لم تهدأ على مدى قرون، مسجلةً انتفاضات عدة في سبيل أن تحكم نفسها بنفسها.

آخر هذه المحاولات بالتحرر حدثت مطلع مارس (آذار) الماضي، عندما خرج سكانها بتظاهرات غاضبة صاحبتها أعمال شغب وعنف مرتفعة الشدة، مطالبين بالانفصال عن الجمهورية الفرنسية وتحقيق مبدأ الحكم الذاتي. وها هي حتى اللحظة تعيش تبعات انتفاضتها، وما زال مصيرها معلقاً في مفاوضات لم تحسم نهايتها.

لكن من أين كانت البداية؟

تعاقب على كورسيكا شعوب وإمبراطوريات ودول عدة، البعض سكنها واستوطنها، فيما احتلها البعض الآخر بعد معارك أوقعتها بين أيديهم. فمنذ الألفية الأولى قبل الميلاد، وطأ أرضها القرطاجيون والإغريق والرومان والعرب المسلمون والفرنجة إلى أن أصبحت ملكاً للكرسي البابوي ومن بعده الجنويون الذين وصلوا إليها في القرن الثالث عشر وحكموها لقرون.  

أسسوا على أرضها المدن مثل باستيا وبورتو فيكيو، وشيّدوا القلاع بالتزامن مع الكثير من التوترات ومحاولات الاستقلال. ومنذ عام 1755 حاول المناضل الكورسيكي باسكالي باولي بشكل جاد استعادة كورسيكا من الحكم الجنوي، واستطاع في النهاية أن يحقق مراده حيث انتخب بمنصب “جنرال الأمة” لمدة 14 عاماً، كتب خلالها أول دستور لكورسيكا، واعتمد اللغة الإيطالية لغة رسمية للبلاد آنذاك.

لكن ما هي إلا سنوات قليلة حتى حاول الفرنسيون دخولها وخاضوا مع أهلها الذين حاولوا منعهم، العديد من المناوشات. وقد شنَّ باولي حرباً ضد فرنسا انتصرت فيها جيوشها بمعركة “بونتي نوفو” الشهيرة عام 1769، وتم ضم الجزيرة إليها بشكل رسمي في عام 1770.

نجحت كورسيكا بالاستقلال إبان الثورة الفرنسية التي أسقطت النظام الملكي عام 1789، بالتزامن مع عودة باسكالي باولي من منفاه مدعوماً بالتدخل البريطاني. حيث تم تشكيل مملكة أنجلو ـ كورسيكية ما لبثت أن انتهت بعودة الفرنسيين إلى الجزيرة في بدايات القرن التاسع عشر.

وفي الحقيقة، فإن هذه الجزيرة التي كانت شهدت ولادة نابليون بونابرت (1769 ـ 1821)، ظلت تتأرجح بين الحكم الفرنسي والحكم البريطاني لعقود إلى أن استعادتها فرنسا في عام 1796 فأصبحت بذلك خاضعة رسمياً للحكم الفرنسي، وأعلن في عام 1859 أن اللغة الفرنسية هي اللغة الرسمية في الجزيرة على الرغم من أن الإيطالية ظلت الأكثر شعبية وانتشاراً فيها.

لكن القوميين الكورسيكيين ظلوا يطالبون باستقلال جزيرتهم، وتصاعدت الأمور في ستينيات القرن الماضي، حيث لجؤوا إلى التسليح وتأسيس منظمة سرية أطلقوا عليها اسم “جبهة التحرير الوطني لكورسيكا”، والتي نفّذت عام 1976 أعمال عنف وتفجيرات طاولت مراكز ومؤسسات حكومية فرنسية ليس في الجزيرة فحسب، وإنما في باريس وليون وغيرها من المدن الموجودة في البر الفرنسي.

وقد انتهى هذا التوجه المسلح في عام 2016 مع انضمام الجبهة إلى مجموعة قومية كورسيكية تدعو إلى النضال السلمي، غير أنه عاد في 3 سبتمبر (أيلول) 2021 مع نشر الجبهة مقطع فيديو ظهر فيه نحو 30 مسلحاً يطالبون باستقلال كورسيكا ويهددون فرنسا ويحذرونها من ازدراء “حقوق شعبهم”، وذلك بحسب ما تحدثت عنه إذاعة فرنسا الدولية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كورسيكا قارة مصغرة

يعرفها البعض باسم جزيرة “الجَمال” لروعة ما تجسده فيها الطبيعة من مناظر تخطف الأنفاس. ويعتبرها الجغرافيون قارة مصغرة تجمع تضاريس كوكبنا ضمن مساحة تبلغ 8722 كيلومتراً مربعاً. إنها رابع أكبر جزيرة في البحر الأبيض المتوسط وخليط من العالمين الإيطالي والفرنسي، إذ تبعد حوالى 164 كيلومتراً عن البر الفرنسي، و83 كيلومتراً فقط عن البر الإيطالي.

منحتها مياهها الفيروزية سحراً فريداً، يزيد منه أكثر من 1000 كيلومتر من الساحل المتنوع بين الشواطئ الرملية والخلجان والرؤوس. فضلاً عن كونها تمتلك أعلى الجبال المتوسطية ومن بينها جبل “مونتي شينتو” المرتفع حوالى 3 آلاف متر عن سطح البحر، وغابات عمرها نحو ألف عام.

أيضاً، ومن أشهر الأماكن السياحية في كورسيكا هو منزل عائلة نابليون بونابرت الذي تحول إلى متحف يضم إرثاً وطنياً في شارع سانت شارلز في مدينة أجاكسيو، مركز أو عاصمة إقليم كورسيكا.

كل ما سبق بالإضافة إلى مناخها الملائم طيلة أشهر السنة تقريباً، جعل منها مقصداً سياحياً يجتذب السياح والزوار من جميع أنحاء العالم. إذ يشكل قطاع السياحة مصدر الدخل الأساسي بالنسبة لسكان الجزيرة، ويسهم بنسبة تصل إلى 82 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.

لكن وعلى الرغم من كونها وجهة سياحية شهيرة، إلا أنها تعاني من وضع اقتصادي سيء جعلها تحتل المرتبة الخامسة والعشرين فقط في تصنيف المناطق الفرنسية لتصبح بذلك واحدة من أفقرها. ويبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي 23 ألف يورو فقط، ومعدل البطالة يتجاوز 10 في المئة، في حين أن معدل النمو أقل من 1 في المئة وما يقارب 20 في المئة من إجمالي عدد السكان البالغ 339178 نسمة يعيشون تحت خط الفقر.

أما القطاع الزراعي، فيمثّل 2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وتشير التقديرات إلى أن هذه النسبة آخذة بالانخفاض على الرغم من أن الجزيرة تشتهر بزراعة الفواكه والكروم وأشجار الزيتون وأشجار الكستناء. طبعاً مع وجود الكثير من الأبقار والأغنام التي يستفاد من تربيتها اقتصادياً.

ماذا يحدث اليوم في كورسيكا؟

في الثاني من مارس (آذار) الماضي، خرج أهالي كورسيكا في تظاهرات اجتاحت الشوارع الرئيسية في مدنها تنديداً بالاعتداء على الناشط المؤيد للاستقلال إيفان كولونا الذي كان يقضي عقوبة بالسجن المؤبد لإدانته في اغتيال المسؤول الإقليمي بكورسيكا كلود إيرينياك عام 1998.

وكولونا المحتجز في سجن بالبر الفرنسي في آرل، كان قد دخل في غيبوبة فور تعرضه للاعتداء على يد سجين آخر مدان بـ “الإرهاب”، حتى الحادي والعشرين من مارس حيث أعلنت الحكومة الفرنسية وفاته رسمياً.

ومنذ بداية الإعلان عن الهجوم على هذا السجين الذي يعتبره الكورسيكيون مناضلاً وطنياً، حملوا الدولة مسؤولية ما حدث، بخاصة أنهم لطالما ناشدوها بإعادته إلى سجن في الجزيرة. وعلى إثر ذلك، خرجوا غاضبين ونفذوا أعمال عنف وشغب أدت إلى اصطدامهم مع الشرطة وقوات الأمن وأصيب خلالها 102 شخص بينهم 77 شرطياً، كما احتل بعضهم مباني حكومية عدة ورفعوا فوقها شعارات مناهضة للحكومة.

في الوقت نفسه، طالب المتظاهرون بنظام الحكم الذاتي للجزيرة أسوةً بجزر الأزور في البرتغال. وهو نظام سياسي وإداري واقتصادي من المفترض أن يمنحهم مزيداً من الحرية، باعتباره يخول الإقليم صلاحيات واسعة لإدارة شؤونه بنفسه على كافة الأصعدة.

من جهتها، سعت باريس إلى عودة الاستقرار في كورسيكا وأكّدت أنها تصغي إلى تطلعات ومطالب أهلها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من خلال المسؤولين المنتخبين فيها. وأكدت الحكومة الفرنسية أنها مستعدة إلى تقديم ما يلزم في هذا الشأن، وأنها تدرس بالفعل تخفيف السيطرة على الجزيرة مع احتمالية الموافقة على الحكم الذاتي.

وقد أعلن وزير الداخلية الفرنسي جيرالد دارمانان، أنهم بصدد الدخول في ما أسماه “مشاورات غير مسبوقة بشأن أمور مؤسسية” على أمل عودة الهدوء إلى الجزيرة.

في ذات الخصوص، انقسمت آراء مرشحي الرئاسة الفرنسية الحاليين حول هذه الفكرة. فبعضهم وبخاصة من ينتمون إلى تيارات اليمين، اعتبروها “جزيرة فرنسية”، في حين أيّد آخرون وهم من اليسار، شرعية ثورتها وحقها بالاستقلال.

وهكذا، من الواضح أن مصير كورسيكا مرهون بمن سيصبح رئيساً لفرنسا، بعد انتخابات تحسمها جولتان، الأولى في 10 أبريل (نيسان) الجاري والثانية في الرابع والعشرين منه. وإلى حينها لا يوجد أكثر من الانتظار، وبعض المفاوضات.




Source link

Leave a Reply

Your email address will not be published.

close