News

سلمان رشدي… بطل الرواية التي لا تنتهي فصولها


لم يحظ كتابه الأول “غريموس” الذي نشر في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي باهتمام كبير ولم يحقق نجاحاً، وإن كان بعض النقاد رأوا أن وراءه كاتباً لديه إمكانات. وكانت روايته “أطفال منتصف الليل” التي صدرت بعد ذلك بخمس سنوات مفاجأة نجاح، وفازت بجائزة “البوكر” عام 1981، أما روايته الرابعة “آيات شيطانية” التي نشرت عام 1988 فأعطت الكاتب البريطاني السير سلمان رشدي، شهرة لم ينلها غيره تقريباً.

ولد سلمان رشدي في بومباي بالهند قبل شهرين من استقلال البلاد عن التاج البريطاني، وفي سن الـ14، أرسلته عائلته إلى إنجلترا للتعلم، فدخل المدرسة ثم التحق بجامعة كامبريدج ليحصل على شهادة في التاريخ من “كنغز كوليدج” بالجامعة العريقة.

بعد ذلك حصل على الجنسية البريطانية، وتخلى عن ديانته الإسلامية وعمل لفترة قصيرة ممثلاً ثم كاتباً للإعلانات، وكان في الوقت نفسه يمارس الكتابة الإبداعية، ومع نجاح “أطفال منتصف الليل”، التي باعت نصف مليون نسخة وقتها، أصبح سلمان رشدي كاتباً بريطانياً شهيراً.

كانت روايته الثانية الشهيرة عن الهند تنقل صورة من الحياة فيها، أما روايته التالية “العار” التي صدرت عام 1983 فكانت إلى حد ما عن باكستان، وجاء كتابه الرابع عام 1987 بعنوان “ابتسامة النمر” ليعكس رحلة في أعماق نيكاراغوا.

“آيات شيطانية”

في سبتمبر (أيلول) عام 1988 صدرت روايته التي ستجعل منه شخصية أدبية غير عادية، بصرف النظر عن قيمتها لدى النقاد، فقد اعتبر بعض المسلمين في أنحاء العالم الرواية بطابعها ما بعد الحداثي زندقة وإهانة للدين.

كانت أول دولة تحظر الرواية هي الهند، تلتها باكستان، وكذلك فعلت كثير من الدول ذات الأغلبية المسلمة ودول أخرى مثل جنوب أفريقيا، بينما امتدح الرواية كثير من النقاد، وكرد فعل على الغضب في العالم الإسلامي ودعماً لحرية الرأي والفكر، فازت الرواية بجائزة “وايتبريد”.

كان عنوان الرواية يشير، بحسب نصها، إلى آيتين في القرآن حذفهما النبي لأنه رأى أنهما من وحي الشيطان، وقد أثار بعض ما ورد فيها غضب المسلمين حول العالم، مثل تسمية عاهرتين في الرواية بأسماء لزوجات النبي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

اندلعت التظاهرات والاحتجاجات في أنحاء مختلفة منددة بالرواية والكاتب، وفي برادفورد في بريطانيا أحرق متظاهرون مسلمون نسخة من الرواية في يناير (كانون الثاني) 1989، واضطر متجر بيع الكتب الشهير “دبليو أتش سميث” إلى إزالة الرواية من على أرفف منافذ البيع.

وتجمهر المحتجون أمام مكاتب “فايكينغ بنغوين” في لندن، وهي دار النشر التي نشرت الرواية وتلقى العاملون في فرع الدار بنيويورك تهديدات بالقتل، ومع ذلك أصبحت الرواية هي الأكثر مبيعاً على ضفتي الأطلسي.

في بومباي، مسقط رأس سلمان رشدي، أدت الاحتجاجات والصدامات إلى مقتل 12 شخصاً، وتعرضت السفارة البريطانية في العاصمة الإيرانية طهران للرشق بالحجارة، ثم أعلن المرشد الأعلى السابق في إيران، آية الله الخميني فتوى تحل دم سلمان رشدي وترصد مكافأة قدرها ثلاثة ملايين دولار لمن يقتله.

وفي بريطانيا، دعت بعض الشخصيات الإسلامية المعتدلة إلى عدم التظاهر والاحتجاج، وأعربت عن أسفها على رد الفعل الغاضب، أما بعض المسلمين في بريطانيا فأيدوا فتوى الخميني، وعلى الرغم من أن سلمان رشدي أعلن عن أسفه حيال أي أذى قد يكون سببه كتابه لمشاعر المسلمين، فإن المرشد الإيراني أكد فتواه مجدداً.

الولايات المتحدة وفرنسا وبقية الدول الغربية دانت فتوى قتل رشدي، وسحبت كل دول الاتحاد الأوروبي سفراءها من طهران، وأصبح سلمان رشدي يعيش متخفياً، وعينت الشرطة البريطانية له ولعائلته حراسة دائمة بسبب تهديدات القتل وفتوى الخميني.

شظايا العنف

لم يقتصر تأثير الغضب الهيستيري وفتوى الخميني على سلمان رشدي ودار النشر التي نشرت روايته “آيات شيطانية”، بل امتد لآخرين تعرضوا لاعتداءات وحشية، بعضهم قتل وبعضهم نجا من الاعتداء بالطعن وإطلاق الرصاص.

ففي يوليو (تموز) 1991، عثر على المترجم الياباني الذي ترجم كتاب سلمان رشدي مقتولاً في الجامعة التي يدرس بها شمال شرقي العاصمة طوكيو، حيث تعرض هيوشي إيغاراشي الأستاذ المساعد للأدب المقارن في جامعة “تسوكوبا”، للطعن مرات عدة خارج مكتبه وترك ينزف حتى مات، ولم يعثر على قاتله.

في وقت سابق من الشهر نفسه، تعرض المترجم الإيطالي للرواية إيتور كابريوللي للطعن أيضاً في شقته بملاينو شمال البلاد، لكنه نجا بعد إسعافه، وفي عام 1993 تعرض المترجم النرويجي للرواية يليام نيغارد لإطلاق الرصاص عليه خارج منزله في العاصمة أوسلو، لكنه نجا أيضاً من محاولة الاغتيال.

وفي عام 1998، لم تعد الحكومة الإيرانية تتبنى رسمياً فتوى قتل سلمان رشدي التي أصدرها المرشد السابق الخميني، وبدأ الكاتب يتمتع ببعض القدر المحدود من الحرية، لكن التهديد بقتله لم يختف تماماً، وظلت فتوى الخميني تلهم كثيراً من المتشددين، حتى المرشد الحالي علي خامنئي قال ذات مرة، إن الفتوى بحق الكاتب “أطلقت مثل الرصاصة التي لن تتوقف حتى تبلغ هدفها”.

مسيرة حافلة

على الرغم من التهديدات وحياة الاختباء تقريباً، لم يتوقف سلمان رشدي عن الكتابة والإبداع فأسهم في تحويل روايته الأشهر “أطفال منتصف الليل” إلى مسرحية عرضت في لندن عام 2003. ومن أعماله بعد ذلك رواية للأطفال بعنوان “هارون وبحر الحكي” عام 1990، و”أوطان متخيلة” عام 1991، وروايته “شرق وغرب” عام 1994، و”الأرض تحت قدميها” عام 1999، ثم “رعب” عام 2001. ومنذ مطلع القرن نشر سلمان رشدي روايات عدة منها “شاليمار المهرج”، و”ساحرة فلورنسا”، و”عامان وثمانية أشهر وثمان وعشرون ليلة”، و”البيت الذهبي”، و”كيخوته”.

تزوج سلمان رشدي أربع مرات، ويعيش حالياً في الولايات المتحدة، وكرمته ملكة إنجلترا على إسهاماته الأدبية عام 2007 بمنحه لقب “سير”، وفي عام 2012 نشر رشدي سيرته الذاتية متضمنة الجدل الذي أثارته رواية “آيات شيطانية”.




Source link

Leave a Reply

Your email address will not be published.