News

جان رينوار شاعر السينما الذي لا يغيب عن مشهدها حتى يعود متوّجا


عندما ينتهي المرء من قراءة مئات الصفحات التي يتألف منها كتاب “رينوار أبي” (مترجم إلى العربية بشكل جيد حتى وإن حفل بأخطاء كثيرة في نقل الأسماء الفرنسية إلى العربية!) من تأليف السينمائي الفرنسي الكبير جان رينوار، يجد نفسه متسائلاً وهو يستعرض في ذهنه قائمة أفلام هذا المخرج الكبير والمؤسس في تاريخ السينما الفرنسية، كيف لم يحدث له أن نقل ما في هذا الكتاب من بورتريهات لأبيه، بالدرجة الأولى، ولفرنسا – بخاصة باريس – أواخر القرن التاسع عشر وحياتها الفنية والاجتماعية، إلى شاشته؟ وكيف غاب أبوه الكبير بيار أوغست رينوار عن تلك الشاشة مع حضوره الطاغي في الكتاب؟. وهذان ليسا سوى نزر من عدة أسئلة مشروعة حاولت أن تجيب عليها على أية حال، معارض عدة عملت على أن تجمع بين فن الأب وفن الابن وسبق أن تناولناها جزئياً في هذه الزاوية غير مرة. لكن ما بقي غائباً هو سؤال السينما التي كان يجب أن تتحدث عن رينوار الأب مباشرة، لكنها لم تفعل. وهي لم تفعل على رغم أن فنانين كثراً من طينة رينوار الرسام ورفاقه حضروا مباشرة أو مواربة في بعض أفضل أفلام الابن. فهل نحن أمام لغز يجب أن نبحث عن حل له؟

في أجواء الزعيم الانطباعي

حتى وإن كنا نعرف دائماً أن المجد الكبير الذي حققه جان رينوار في مسيرته السينمائية الطويلة والمتنوعة، إنما انبنى على فيلمين له يعتبران من قمم السينما العالمية، لا بد لنا من مساءلة العلاقة التي أقامها هذا الفنان الكبير مع الفن الذي أبصر النور وهو يعيش أجواءه من خلال والده زعيم التيار الانطباعي في الرسم، بيار أوغست رينوار. ففي نهاية الأمر لم يكن غريباً لمن كان ابناً لرينوار الكبير هذا، أن يصبح في زمنه واحداً من كبار شعراء فن السينما، وأن يحقق على الأقل فيلمين مميزين موروثين من فن الرسم نفسه، كتحيتين كما سنرى لاثنين من كبار رفاق أبيه: إدوار مانيه وهنري دي تولوز لوتريك.

من الأب إلى الابن

فجان رينوار، المخرج الفرنسي الأكبر في تاريخ السينما الفرنسية – وعلى الأقل برأي أندريه بازين كبير نقادها وفرانسوا تروفو أحد مؤسسي “موجتها الجديدة” -، عرف كيف يكون بالنسبة إلى الفن السابع، ما كانه أبوه بالنسبة إلى فن الرسم. ومن هنا تشابه الرجلان، في الحساسية الفنية، وفي الابتكار الجمالي، وفي البعد الاجتماعي لفنيهما، حيث نجد لدى جان رينوار، في أفلامه، نفس ذلك المزج الذي حققه والده بين الخادمات اللواتي استخدمهن كـ “موديل” في لوحاته، والسيدات الارستقراطيات اللواتي هواهن وكرس لهن معظم فنه. وتروي الحكاية أن جان رينوار إنما اتجه إلى فن السينما، أملاً في أن يحوّل أندريه هشلنغ، التي كانت آخر “موديل” عشقها أبوه واستخدمها، إلى نجمة سينمائية. أما الفيلم الذي شاهده وبهره وقرر بعده أن يخوض حقاً لعبة الفن السينمائي فكان “جنون النساء” لفون شتروهايم (1921)، ولقد اكتشفه رينوار الابن بعد عدة أعمال فنية خاضها إثر عودته من الجندية حيث خدم في فرقة القناصة وكطيار (وهما أمران سنجد أثرهما لاحقاً في بعض أفلامه، وبخاصة في “قواعد اللعبة”).

مراحل في حياة السينمائي

في 1924 كان جان رينوار في الثلاثين من عمره، حين اتخذ قراره النهائي بأن يصبح سينمائياً، وهو أمضى السنوات الأربع الأولى من حياته السينمائية خائضاً في تجريبية طليعية مزج فيها بين إرثه الانطباعي وتأثره بالمدرسة التعبيرية الألمانية، وهو ما نلاحظه في أفلام مثل “فتاة الماء” و”نانا” ثم خاصة “شارلستون” و”بائعة أعواد الثقاب”. غير أن تلك الأفلام لم تحقق النجاح المرجو على الرغم من أنها دفعت إلى الصدارة شخصية “موديل” أوغوست رينوار السابقة التي باتت امرأة لجان رينوار ونجمة استثنائية تحمل، هذه المرة، اسم كاترين هيسلنغ. وفي النهاية حدث الانفصال بين المخرج والنجمة. وانتهت بذلك مرحلة التأسيس في مسار رينوار السينمائي، لتبدأ في العام 1931 مرحلة تالية استمرت عقداً من السنين هي المرحلة الواقعية، التي كان أول أفلامها “الكلبة” الذي حقق قدراً لا بأس به من النجاح، مع أن رينوار بقي على تجربته، إذ خلف رداء الواقعية الجديد الذي بدأت ترتديه أفلامه الجديدة، راحت تظهر تنويعاته الغرائبية وتأثره بالكوميديا ديل آرتي (الهزلية الإيطالية)، وفنون الدمى وأساليب الكيتش الوقحة واللغة المستقاة من ابتذالية الشارع الشعبي. وهو أمر نلاحظه يتكرر في أفلام تلك المرحلة مثل “طوني” و”بودو أنقذ من الغرق” و”ليلة الكارفور” و”مدام بوفاري” و”جريمة السيد لانغ”، وصولاً إلى أفلام مرحلة الجبهة الشعبية ذات النزعة التقدمية مثل “الحياة لنا” وغيره وصولاً إلى “المارسيلية” و”قواعد اللعبة” الذي أوصل قوة تعبيره وأداءه الفني إلى ذروة لم تكن متوقعة، بعد أن كان فيلم “الوهم الكبير” (1937) قد حقق له سمعة عالمية.

من مانيه إلى لوتريك

وحتى وإن بقي فيلماه “الوهم الكبير” و”قواعد اللعبة” الفيلمين – العلامة في مسيرة جان رينوار، فإن سمعة الرجل وأهميته تجاوزتا أهمية ذينك الفيلمين، وهذا ما جعله يخوض اللعبة السينمائية بقوة حين اضطر عند أوائل الحرب العالمية وإثر احتلال ألمانيا لفرنسا، للهرب إلى الولايات المتحدة الأميركية. في العالم الجديد الذي وصله رينوار في 1940 وجد الأبواب مفتوحة أمامه، خصوصاً أنه كان يرغب، من أعماقه، في الانخراط في اللعبة السينمائية الهوليوودية. غير أنه اضطر هناك لتحقيق أفلام “نضالية” ضد الهتلرية أبقته على الهامش، حتى كان فيلمه “رجل الجنوب” الذي نقل فيه الصراع المعتاد لديه، بين الفرد والمجتمع إلى صراع بين الإنسان والطبيعة، مقتبساً من عالم أميركا المعقد اهتمامه بالطاقة البشرية الخلاقة في مواجهة أي صراع مفروض على الفرد. وهو نفس ما صوره في الهند حين توجه إليها في 1951 ليحقق واحداً من أجمل أفلامه: “النهر”. وعند بداية سنوات الخمسين عاد رينوار، بشكل شبه نهائي إلى فرنسا حيث حقق أولاً فيلم “العربة الذهبية” ثم ألحقه بواحد من أجمل أفلامه، على الصعيد الشكلي، كما على صعيد استخدام اللون وهو “فرانش – كانكان”، يتبعه “الغداء على العشب” الأول تحية إلى تولوز لوتريك وعالم الليل الفرنسي في كاباريهات مونمارتر، والثاني تحية للوحة مانيه الشهيرة الحاملة نفس العنوان والتي تعتبر أجمل تحية إبداعية وجهتها السينما إلى الفن الانطباعي والريف الفرنسي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الأب بعد كل شيء وقبله

ومن الواضح أن هذين الفيلمين إنما حققا كنوع من تحية من الابن إلى أبيه ممثلاً برفيقين كبيرين من رفاقه، وهو واقع يستعاد بشكل منتظم عبر التلفزات الفرنسية التي لا تترك مناسبة إلا وتعيد فيها عرض واحد من هذين الفيلمين الذين باتا بالتأكيد من أيقونات التراث الفرنسي بالنسبة إلى جمهور عريض قد لا تعود ترضيه تلك الأفكار الإنسانية الكبرى التي تحملها أفلام أكثر أيديولوجية وعمقاً من تحقيق رينوار، لكنه يجد غايته في تلك الألوان الرائعة والمواضيع البسيطة وإدارة الممثلين المدهشة، ناهيك بقدرة الفنان على إعادة إنتاج تلك الأماكن والديكورات المدينية أو الريفية التي يرى كثر أنها تبدو وكأنها ترجمة بصرية مميزة لتلك الحكايات والمشاهد التي عبر عنها جان رينوار كتابة في ذلك النص البديع “رينوار أبي”، الذي صور فيه حياة أبيه ويومياته بحنان جعل كثراً يتساءلون كيف أنهى رينوار الابن حياته الفنية ذات يوم من دون أن يقدم على تحويل ذلك الكتاب نفسه إلى فيلم سينمائي؟

مهما يكن من أمر من الواضح أن الوقت الذي “اكتشف” فيه الابن توافر إمكانات وفرص هائلة للنهل ليس فقط من حياة أبيه ورفاق هذا الأب محولاً إياها إلى تحف سينمائية خالدة، لا سيما من خلال التجاوب الذي كان من نصيب “فرانش كان كان” و”الغذاء على العشب”، كان الأوان قد فات. بمعنى أن وتيرة عمل جان رينوار وإبداعه قد تباطأت بعد ذينك الفيلمين، وتحديداً بسبب تقدمه في العمر، حيث أن أفلامه الثلاثة الأخيرة، “وصية الدكتور كورديليه” و”العريف المجروح”، ثم أخيراً “مسرح جان رينوار الصغير”، كشفت عن كونه تحول إلى متحف ليس أكثر، فكان عليه أن يعيش خلال السنوات التالية وسط أمجاده عاطلاً من العمل مكللاً بالغار مَتْحفياً تكرَّس له الدراسات والكتب، حتى رحل عن عالمنا في فبراير (شباط) 1979 ليشعر أهل السينما وهواتها بأن جزءاً أساسياً من تاريخ السينما الفرنسية والعالمية قد رحل معه.




Source link

Leave a Reply

Your email address will not be published.

close